أحمد بن علي القلقشندي

210

صبح الأعشى في صناعة الإنشا

بإعلانها متزيّنة ، والأسنّة والأعنّة متباريين في إقامة دعوتها الَّتي لا تحتاج أنوارها البيّنة إلى البيّنة ، ونشهد أنّ محمدا عبده ورسوله أشرف مبعوث إلى الأمم ، وأكرم منعوت بالفضل والكرم ، وأعزّ منصور بالرّعب الَّذي أغمدت سيوفه قبل تجريدها في القمم ، صلَّى اللَّه عليه وعلى آله وصحبه الذين نهضوا بجهاد أعداء اللَّه وأعدائه على أثبت قدم ، وسروا لفتح ما زوي له من الأرض على جياد العزائم ونجائب الهمم ، وبذلوا نفائسهم ونفوسهم للذّبّ عن دينه فلم تستزل أقدامهم حمر النّعم ، ولم يثن إقدامهم بيض النّعم ، صلاة لا يملّ السامع نداءها ، ولا تسأم الألسن إعادتها وإبداءها ، وسلَّم تسليما كثيرا . وبعد ، فإنّا من حين مكَّن اللَّه لنا في أرضه ، وأنهضنا بمسنون الجهاد وفرضه ، وقلَّدنا سيف نصره الَّذي انتضاه ، وأقامنا لنصرة دينه الَّذي ارتضاه ، لم يزل مهمّ كلّ ثغر مقدّما لدينا ، وحفظ كلّ جانب جاور العدوّ برّا وبحرا متعيّنا على اعتنائنا ومحبّبا إلينا ؛ فلا نرهف لإيالة الممالك إلَّا من إذا جرّد سيفه أغمده الرّعب في قلوب العدا ، ومن إن لم تسلك البحر خيله بثّ في قلوب ساكنيه سرايا مهابة لا ترهب موجا ولا تستبعد مدى ، ومن إذا تقدّم على الجيوش أعاد آحادها إلى رتب الألوف ، وجعل طلائعهم رسل الحتوف ، وأعداهم بأسه فاستقلَّوا أعداءهم وإن كثروا ، وأغراهم بمعنى النّكاية في كتائب العدا : فكم من قلب بالرّماح قد نظموا وكم من هام بالصّفاح قد نثروا . ولذلك لمّا كان فلان هو الَّذي ما زال الدّين يرفع علمه ، والإقدام والرّأي يبثّان في مقاتل العدا كلومه وكلمه ، والعدل والبأس يتولَّيان أحكامه فلا يمضيان إلَّا بالحقّ سيفه وقلمه ؛ فكم نكَّس راية عدوّ كانت مرتفعة ، وأباح عزمه وحزمه معاقل شرك كانت ممتنعة ، وكم زلزل ثباته قدم كفر فأزالها ، وهزم إقدامه جيوش باطل ترهب الآساد نزالها ؛ فهو العلم الفرد ، والبطل الَّذي لأوليائه الإقبال والثّبات ولأعدائه العكس والطَّرد ، والوليّ الَّذي لولا احتفالنا بنكاية العدا لم